ابن ميثم البحراني
347
شرح نهج البلاغة
إلى عدم حجبها ومنعها لنفوذ علوم الملائكة بأعمال الخلايق وما يحرى في هذا العالم وكما أنّ الجسم المتصدّع لا يمنع نفوذ جسم آخر فيه من حيث هو متصدّع والوصول إلى ما رواءه كذلك السماء لا تحجب علوم الملائكة أن تتعلَّق بما في هذا العالم من الموجودات فجرت مجرى المنفرح من الأجسام فاطلق عليه لفظ الانفراج وتذليله لحزونة ذلك الانفراج لهم هو كونها غير مانعة بوجه ما لجريان علوم الملائكة المقرّبين في هذا العالم . وقوله : وناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها وافتتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها . فيه احتمالان : الأوّل : أنّك قد علمت ممّا سبق ما معنى كون السماء من دخان فأمّا نداؤه لها فإشارة إلى أمره لها بالإتيان والكون في قوله تعالى « فَقالَ لَها ولِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » ( 1 ) وأمّا التحامها فاعتبار تركيبها بانضمام جزئها الصوريّ إلى جزئها القابل كما يلتحم طرفا العيبة بتشريج عراها ، وافتتاق صوامت أبوابها بعد ذلك الارتتاق هو جعلها أسبابا لنزول رحمته ومدبّرات تنزل بواسطة حركاتها على هذا العالم أنواع رحمة اللَّه فكانت حركاتها تشبه الأبواب إذ هي أبواب رحمته ومفاتيح جوده . الثاني : أنّ العرب تقول لكلّ ما علاك : فهو سماؤك . فعلى هذا يحتمل أن يكون المراد بالسماء ما هو أعمّ من السماء المعهودة ، ويكون قوله : وناداها إشارة إلى سماء السحاب وكونها دخانا هو كونها بخارا قبل الانعقاد يشبه الدخان فاستعير له لفظه والتحام عرى أشراجها إشارة إلى التحام تلك الأجزاء البخاريّة وانعقادها سحابا وافتتاق صوامت أبوابها هو إنزال المطر منها كما . قال تعالى : « فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ » ( 2 ) . وقوله : وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها . له معنيان : أحدهما : أن يكون استعار لفظ النقاب لكونها بحيث لا يمنع تعلَّق العلوم بما ورائها من الأجسام والمجرّدات ، وقد سبق معنى الشهب وإقامتها رصدا . الثاني : أن
--> ( 1 ) 41 - 10 ( 2 ) 54 - 11